الشيخ محمد رشيد رضا

262

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

رسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأبى بكر : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : يا رسول اللّه قال قولا عظيما يزعم أن اللّه تعالى شأنه فقير وهم عنه أغنياء . فلما قال ذلك غضبت للّه تعالى مما قال فضربت وجهه . فجحد فنحاص فقال : ما قلت ذلك ، فأنزل اللّه تعالى فيما قال فنحاص تصديقا لأنى بكر هذه الآية . وأنزل في أبى بكر وما بلغه من الغضب ( وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ) - الآية الآتية بعد آيات - وأخرج ابن المنذر عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنها نزلت في حيى بن أخطب لما أنزل اللّه « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً » قال يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغنى ، وأخرج الضياء وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتت اليهود رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أنزل اللّه تعالى ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ) فقالوا يا محمد : فقير ربك يسأل عباده القرض ؟ فأنزل اللّه الآية . فالظاهر أن هذه المجازفة في القول قد وقعت من غير واحد من يهود وما يقوله البعض ويجيزه الجمع يسند إلى القائلين والمجيزين جميعا والظاهر أنهم قالوا ذلك تهكما بالقرآن ورواية فنحاص ليس لها مناسبة ظاهرة . سمع اللّه قول هؤلاء المجازفين لم يفته ولم يخف فيه فهو سيجزيهم عليه ، فهذا التعبير يتضمن التهديد والوعيد كما يتضمن قوله « سمع اللّه لمن حمده » البشارة والوعد بحسن الجزاء وكما يتضمن قوله ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ) مزيد العناية وإرادة الاشكاء والإغاثة ، ذلك بأن قولك سمعت ما قال فلان يشعر بما لا يشعر به قولك علمت بما قال : والسمع هو العلم بالمسموعات خاصة بوجه خاص . وذهب بعض من كتب في علم الكلام إلى أن سمع الباري تبارك وتعالى يتعلق بجميع الموجودات ، لا يختص بالكلام أو بالأصوات ، وهو رأى تنكره اللغة ولا يعرفه الشرع وليس للرأي أو العقل أن يتحكم في صفات اللّه تبارك وتعالى بنظرياته وأقيسته . ومن فائدة التعبير بسمع اللّه لكلام عبادء مراقبتهم له في أقوالهم ، ولا تتحقق هذه الفائدة بخصوصها على رأى ذلك المتكلم .